سباق روسي-أميركي على لبنان مأزوم !

يقف لبنان مترقباً تنامي التوتر بين الولايات المتحدة والخليج من جهة وبين إيران وأذرعها، وعلى رأسها حزب الله من جهة ثانية، وسط أزمة مالية-إقتصادية ضاغطة، فمن جهة يساهم تشديد العقوبات على إيران ومنعها من إيجاد وسائل للتهرب منها، في إزدياد المراقبة الأميركية على القطاع المصرفي اللبناني، وحركة الرساميل التي يدرها لبنانيون في العالم، ومن جهة ثانية باشر الديبلوماسي الأميركي المخضرم في المنطقة دايفيد ساترفيلد بوساطة، ظاهرها ترسيم الحدود لفك أي إشتباك بحري ذو طابع بترولي، بين لبنان وإسرائيل، أما باطنها فيبدو أكثر عمقاً وتشعباً، يهدف بالدرجة الأولى إلى إحتفاظ واشنطن بالحضور والمبادرة فيما يتعلق بمجموعة ملفات تعتبر حيوية للبنان.

بوتين يدخل على الخط

مع تزايد الإحتقان السياسي والشعبي، لاسيما من جهة التيار الوطني الحر، الممسك بزمام قسم مهم من السلطة في لبنان، في ملف اللاجئين السوريين، يصل بيروت وفد روسي رفيع، يضم المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف ونائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فرشينين، في زيارة تكتسب أهمية بارزة، لأن الوفد سيبحث مع المسؤولين اللبنانيين موضوع إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم في ظل المبادرة التي سبق لروسيا أن أعلنتها، ولم تتضح تفاصيلها بعد، ولذلك ستشمل زيارة الوفد الروسي، إلى جانب رؤساء الجمهورية والحكومة والمجلس النيابي، لقاء مع قائد الجيش العماد جوزف عون، ومدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم.

ومن المرتقب أن يسلم الوفد الروسي المسؤلين اللبنانيين دعوة رسمية للمشاركة في جولة مفاوضات «استانا» لتي ستجري في تموز/يوليو المقبل، بعد ان ادركت موسكو أهمية إشراك عواصم الجوار السوري، في اعتبار انّ جولة «استانا» المقبلة ستضع اطاراً محدداً للبدء بإعادة النازحين السوريين الى المناطق الآمنة، وهنا تكمن اهمية حضور لبنان لطرح هواجسه حول طرق معالجة هذا الملف.

اللاجئون هم المدخل والبترول هو الهدف ؟

بالطبع سيستكشف الوفد الروسي آخر تطورات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، كون موسكو معنية مباشرة بقطاع البترول اللبناني، وهي تسعى كي تكون شريكاً لاسيما في وجهة أنابيب الغاز المقرر إستخراجه، وهدفها ضمه للمشاريع التي سبق وخططت لها، لابل بدأت بتنفيذها في سوريا، والعراق وبالتنسيق مع أنقرة. وقد عمَقت موسكو بالفعل العلاقات التجارية مع لبنان كجزء من جهودها لدحر النفوذ الأمريكي في المنطقة، حيث تضاعف حجم التجارة بين روسيا ولبنان من 423 مليون دولار في عام 2016 إلى 800 مليون دولار في عام 2018. وبرز قرار السلطات اللبنانية منح شركة “نوفاتيك” الروسية حصة 20 في المئة ضمن الكونسورثيوم الفرنسي الإيطالي، للتنقيب وإستخراج النفط والغاز من السواحل اللبنانية. كما وقعت شركة “روسنفت”الروسية اتفاقًامدته 20 عامًا لإدارة وتطوير مرفق تخزين النفط في طرابلس،شمال لبنان، والذي يقع على بعد 18 ميلًا فقط من الحدود السورية وعلى بعد 37 ميلًا من ميناء طرطوس السوري الخاضع لسيطرة روسيا، وهو موطئ قدم موسكو الوحيد على البحر المتوسط.

وفيما بقيت قيمة الصفقة سرية، لكن قرب المنشأة من سوريا جعلت واشنطن تتخوف من أن يسمح ذلك لموسكو من استخدامها لتوصيل الوقود بشكل سري لنظام الأسد، وهو نشاط سعت عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية إلى إحباطه.

مهمة ساترفيلد والتسابق مع موسكو

تم إرجاء زيارة ساترفيلد الى بيروت، ربما لعدة أيام، سبقها تسريبات في الصحافة الإسرائيلة أن تل أبيب رفضت ضم ملف الحدود البرية الى البحرية، كما أنها تركت السقف الزمني للترسم مفتوحاً في إشارة إلى تعقيدات أو إلى نية لرفع السقوف التفاوضية، خصوصاً وأن زيارة ساترفيلد الأخيرة إلى لبنان ترافقت مع تسريبات بشأن مصانع لصواريخ حزب الله الدقيقة في البقاع اللبناني، ما أستدعى رداً من أمين عام حزب الله ورد فيه : ”ساترفيلد قعود عاقل..“ في تأكيد الى حصر مهمته بالحدود. فيما يبدو أن الأميركي يراهن على فعالية العقوبات التي يفرضها على إيران، وحزب الله، وهو بالتالي يربط بين ترسيم الحدود، وهو الباب الآمن لبدء عمليات التنقيب والإستخراج اللبنانية، وبين صفقة أكبر تسعى من خلالها واشنطن لمراعاة حليفها الأول إسرائيل، تحت شعار ”تحييد“ أي سلاح نوعي قد يحصل عليه الحزب، أو نزع أي فتيل أو ذرائع قد تشعل نزاعاً مسلحاً .

أجوبة نهائية

لبنان الرسمي يترقب عودة ساترفيلد حاملاً إجابات ”إسرائيلية نهائية“ حول الأفكار اللبنانية وفي الوقت نفسه سيستمع للوفد الروسي الرفيع، ومبادرته بشأن إعادة اللاجئين، التي تبدو مصدر خلاف داخل السلطة، بين فريق متحمس لإعادتهم وفرق آخر يعتبر ذلك سابقاً لأوانه، وباب للتطبيع مع النظام السوري، ويفضل إنتظار التسوية السياسية.

إذن في المحصلة، الإئتلاف الحاكم في لبنان أمام إستحقاق جديد، يتمثل بتزاحم أميركي روسي، متعلق بقطاع البترول، وبالصراع في سوريا، وعليها، وتعتبر ورقة اللاجئين محورية في هذا الصراع، خصوصاً وأن طبول معركة إدلب تُقرع بقوة، وهي تضع تركيا أمام خيارات، يبدو أحلاها مُرّ.

وهنا رشحت معطيات أن واشنطن لم تبلور أي خطط جديدة بشأن سوريا بعد، خارج أولوياتها في الحفاظ على تواجد عسكري في التنف، ودير الزور، ودعم الأكراد شرقي الفرات، كونها تعتبر وجودها هناك تكملة لتواجدها في العراق. وبالتالي، ستستمر في سعيها لمنع روسيا من جني مكاسبها كاملة، وبالتالي وضع سقف عالٍ لأي تسوية، تحتاجها موسكو بإلحاح لجذب رساميل إعادة الإعمار. .

على السلطة اللبنانية إتخاذ قرارات، يبدو بعضها بحاجة إلى توافق، قد لا يتأمن له الغطاء الإقليمي-الدولي بسهولة، وبالتالي قد تتعرض التفاهمات الداخلية إلى مزيد من التفسخات، خصوصاً وأن الأزمات المالية والإقتصادية الحادة تضغط في أكثر من إتجاه.

الإعلانات