“ضربة” ترامب لإيران: غموض خلّاق أم مجرد إرباك !؟

حبس الخليج والشرق الأوسط أنفاسه لساعات وبدا ليله كأنه دهر، وراهنت محافظ استثمارية على ضربة اميركية وشيكة لإيران فصبت رساميلها على النفط والذهب كملاذ آمن، ومارس الرئيس ترامب وإدارته من خلال تغطية إعلامية هوليوودية، سياسة التشويق على طريقة هيتشكوك وبأن الرد العسكري الاميركي على إسقاط طهران طائرة تجسس فائقة التطور وشيك وحتمي.

ومع إنبلاج فجر الخليج وقبل إنتصاف ليل واشنطن بدأت التسريبات عبر الصحافة الأميركية :

– الرئيس الأمريكي اتخذ قرارا بتوجيه ضربة عسكرية لإيران‬⁩ وتراجع في اللحظات الأخيرة‬⁩

– الضربة العسكرية كان من المقرر أن تستهدف رادارات وبطاريات صواريخ إيرانية

– الرئيس الأمريكي أوقف الضربة العسكرية لإيران‬⁩ بعد وصول السفن لأماكنها وانطلاق الطائرات

-من غير الواضح ما إذا كان قرار شن هجمات على ⁧‫إيران‬⁩ ما زال قائماً

أهم كلمات هي : “من غير الواضح”..ولعلها تختصر المشهد برمته، فهل تصرف الإدارة الاميركية يأتي بناء على توصيات جهات أمنية-عسكرية محترفة، هدفها زرع الشك في عقول الخصوم، والإستفادة القصوى من التهويل بالرد، بهدف محاولة تحصيل مكاسب تحت الضغط؟

أم أن إيران نجحت في توجيه صفعة لمسعى “الردع” الأميركي من خلال تحديد موقع طائرة فائقة القدرة على التخفي، واستهدافها بصاروخ ارض جو مازالت قدراته غامضة؟

والأهم : ماذا بعد ؟

مصادر متطابقة كشفت أن تردد الرئيس ترامب في توجيه ضربة عقابية، وسعيه للتخفيف من وطأة إسقاط الطائرة بالقول : لوكانت مأهولة لكان الوضع إختلف جذرياً، ورميه مسؤولية إطلاق الصاروخ على جنرال “غبي”، يأتي للأسباب التالية :

– قبل 15 شهر على الانتخابات الرئاسية يبدو الانزلاق الى وضعية متفجرة في منطقة بالغة التعقيد وتحوي كميات كبيرة من صادرات البترول العالمي، خطوة غير محسوبة النتائج على رئيس-مرشح تبدو حظوظه جيدة في استطلاعات الرأي حالياً

– عدم وجود ضمانات كافية من قبل دوائر الاستخبارات الاميركية من أن رداً موضعياً-مؤلماً لن يؤدي الى ردود فعل من قبل ايران وأذرعها، في جبهة طولها اكثر من 3000 كم، ما قد يفتح باب الفعل-ورد الفعل وتزداد فرص الصدام الشامل

– قناعة لدى ترامب وإدارته أن عامل الوقت هو ضد مصلحة “المتشددين” على رأس السلطة في إيران، فالعقوبات الخانقة تؤتي ثمارها، وهناك رهان على تفكك داخلي وإنقسامات ضمن دوائر السلطة في طهران، بسبب الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية، وبعضها ضاغط جداً. وهنا تذهب بعض التقديرات الاميركية، أن المناوشات الإيرانية المتكررة قد تهدف الى إستجرار ضربة أميركية، تؤدي الى شد العصب الداخلي حول النظام ، وتخفيف مفاعيل الحملات المتنامية مؤخراً والتي تركز على التباينات داخل إيران.

– إبقاء خيار الضربة مفتوحاً ومحاولة ترقب خطوات ايران المقبلة، لأن إسقاط الطائرة الاميركية ليس استهدافاً بحد ذاته، بل يأتي ضمن خطة إيرانية، بدأت قبل أكثر من شهر، وهي مرشحة للاستمرار، وربما التوسع، سعياً للتفلت من العقوبات ورفع السقف التفاوضي، والإيحاء لدول الخليج أن واشنطن غير جدية في ردعها المعلن لإيران.

‏كاتب الشؤون الامنية في واشنطن بوست ديفيد اغناثيوس إعتبر أن الولايات المتحدة تلعب لعبة تستغرق وقتا طويلاً عبر خنق ايران تدريجيا بالعقوبات وايران بحاجة الى لعب لعبة قصيرة قبل ان تكون القبضة الاميركية حول رقبتها قاتلة، فما هي خطوة طهران المقبلة؟ وأين؟

فهل يشجعها ما تعتبره تردد وإرباك عند ترامب، الى استهدافات نوعية مقبلة ؟ وإختبار جديد للخطوط الحمراء المفترضة ؟ ما هي حقيقة الدور الروسي او الصيني في هذا الكباش؟ وكيف قد يؤثر تردد ترامب إيرانيا ً على كباشه المستجد مع بكين، وله أوجه متعددة ومعقدة؟ وماذا عن أجندة اسرائيل وأولويات نتنياهو مع تهديد طهران بعزمها زيادة التخصيب؟

مستشار الأمن القومي الاميركي جون بولتون سيطير الى تل ابيب في غضون ساعات، ليبحث مع نظيره الاسرائيلي الملفات الحساسة، تحضيراً للقمة الأمنية غير المسبوقة التي ستجمعهما مع نظيرهما الروسي خلال أيام. فعلى ماذا قد تتفق واشنطن وموسكو برعاية اسرائيلية؟ وكيف ستواكب طهران هذا اللقاء؟

إدارة الطيران المدني الاميركي أوقفت الرحلات المدنية في مناطق محددة فوق مضيق وهرمز وإيران، وألغت رحلات الى الهند لانها تعبر الأجواء الإيرانية ، وهذه خطوة تظهر أن الخيار العسكري وارد في أي لحظة .

مما لاشك فيه أن التصعيد هو سيد الموقف، وقدرة “العقل الاميركي” على فهم وترقب خطوات واهداف العقل الإيراني، مسألة مفصلية، فالهدف النهائي للطرفين هو التفاهم، والخلاف هو على الأحجام والأوزان، والتفاوض يتم عبر الألغام والصواريخ، إضافة الى اكثر من قناة، ولعل “الغموض الخلاق” هو احد أهم الأسلحة التي سيستخدمها الأميركي، اقله في الأمد القصير، إنتظاراً للنقلة الفارسية الآتية.

الإعلانات