غاز المتوسط ونار التصعيد فهل تندلع المواجهة !؟

خلقت حقول الغاز والنفط المكتشفة في شرقي البحر المتوسط مساراً جديداً للصراع بين دول تعيش منذ سنوات توتراتٍ كبيرة، ما قد يهدد باتخاذ النزاع أبعاداً أكثر خطورة في المستقبل القريب.

ويخشى مراقبون أن يتطور الصراع متعدد الأطراف إلى نزاع إقليمي يمهد لصدامات عسكرية؛ فمنطقة شرقي المتوسط تضم احتياطات استراتيجية ضخمة وصلت، وفقاً لتقديرات المسوح الجيولوجية الأمريكية، إلى ما يقارب ١٢٢ تريليون قدم مكعبة من الغاز.

إسرائيل-لبنان..تركيا-قبرص

وتؤجج عمليات ونوايا التنقيب عن الغاز في شرقي المتوسط التي أعلن عنها، مؤخراً، نيران الأزمة الإقليمية المحتدمة التي يشترك فيها كل من إسرائيل ولبنان وتركيا وقبرص واليونان ومصر وحتى روسيا المتواجدة عسكريا في الساحل السوري.

وتتلخص أركان الأزمة في نزاع بين إسرائيل ولبنان على جزء من حقل غاز يقع على حدود البلدين، يبدو أن مسعى ترسيمه مازال موضع تجاذب عميق.

وهناك ازمة اكثر سخونة مع رفْض تركيا اتفاقية ترسيم الحدود الموقَّعة عام 2010 بين قبرص وإسرائيل، على اعتبار أن الجزيرة لا يحق لها البدء في أية عمليات تنقيب طالما ظلت أزمة انقسامها قائمة؛ إذ تنقسم الجزيرة لجزء تركي وآخر يوناني.

ولبنان أيضاً أبدى رفضه الاتفاقية الإسرائيلية-القبرصية، وقال إن الاتفاقية تعدَّت على ما يقارب ٨٥٠ كم من المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بها.

أزمة بين تركيا ومصر

تتفرع هذه الأزمة في جانب آخر بين مصر وتركيا، فالأخيرة أعلنت، العام الماضي، اعتزامها بدء التنقيب عن النفط والغاز شرقي البحر المتوسط في المستقبل القريب، ورفضها اتفاقية ترسيم خط الحدود البحرية بين القاهرة وقبرص الموقَّعة عام 2013، باعتبار أنها تمس بحقوقها الاقتصادية بمنطقة شرقي المتوسط.

وفي كانون الثاني يناير الماضي أعلنت كل من مصر وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا والأردن وفلسطين من القاهرة إنشاء ما يُعرف بـ”منتدى غاز شرق المتوسط”، واستثنى المنتدى دول تركيا ولبنان وسوريا وشمال قبرص التركية من عضويته عند إنشائه، رغم أنها دول تطل على حوض شرق المتوسط.

أردوغان يُصعِّد

أرسلت تركيا سفينة ثانية لاستطلاع حقول الغاز القبرصية وستعمل السفينة “يافوز” في منطقة قبالة شبه جزيرة كارباس، التي تقع شمال شرق الجزيرة، أي في الشطر الذي تسيطر عليه “جمهورية شمال قبرص التركية” التي لا تعترف بها سوى أنقرة.

الاتحاد الأوروبي سارع وهدد تركيا بعقوبات. وندد قادة الاتحاد الـ ٢٨ خلال اجتماعهم في بروكسل بـ “أنشطة التنقيب التركية غير القانونية”.

نيقوسيا ومذكرات التوقيف

أصدرت السلطات القبرصية مذكرات توقيف بحق أفراد طاقم السفينة التركية

وأدانت قبرص “بشدة” ما قالت إنه اعتداء تركي على حقوقها السيادية

وقالت الرئاسة القبرصية في نيقوسيا في بيان إن إرسال سفينة التنقيب الثانية “تصعيد من تركيا لانتهاكاتها المتكررة لحقوق قبرص السيادية التي يكفلها قانون الأمم المتحدة للبحار والقانون الدولي، وهو أخطر انتهاك لسيادة جمهورية قبرص”.

والسفينة يافوز هي ثاني سفينة حفر تركية ترسو قرب سواحل قبرص في الشهرين الماضيين إذ ترسو سفينة أخرى هي الفاتح قبالة الساحل الغربي لقبرص منذ أوائل مايو.

الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس وصف في تصريحات صحافية: “إن ما تفعله تركيا غزو ثانٍ، بعدما غزت القوات التركية الجزيرة عام 1974

عرض عضلات

صحيفة “لوفيجارو” الفرنسية وصفت تصرفات تركيا بأنها “غير مسؤولة، واستعراض عضلات”.

ورفضت الصحيفة منطق الرئيس التركي أردوغان الذي يعتبر أن نتاج عمليات التنقيب لا بد أن يتقاسمها القبارصة الأتراك الذين يعيشون في الجزء الشمالي من الجزيرة تحت حماية أنقرة،

واعتبرت لوفيغارو وصول السفن التركية لمياه قبرص الإقليمية “انتهاكاً للقانون الدولي”.

ولَم تتوانَ تركيا في استخدام سلاحها البحري في منع نيقوسيا من استثمار ثروتها البترولية وعمدت في شباط/فبراير من العام المنصرم الى إرسال ٥ فرقاطات تولت طرد حفار لشركة إيني الإيطالية من داخل المياه الإقليمية القبرصية، ما أثار ردود فعل غاضبة ومستنكرة من الإتحاد الاوروبي حينها

قلق موسكو

أعربت روسيا عن بالغ قلقها إزاء التصرفات التركيا غير القانونية وغير المسؤولة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص.

ووفقا لما صرحت به وزارة الخارجية الروسية، اليوم، فإن موسكو تشعر بالقلق من تلك الانتهاكات التركية وتدعو الطرفين إلى الامتناع عن الخطوات التصعيدية التي قد تضر بمصالح الجميع.

وذكرت الخارجية أن موسكو تتابع التطورات التي يشهدها البحر المتوسط على خلفية المعلومات الواردة حول دخول سفينة تركية ثانية للتنقيب عن النفط والغاز القبرصي، مؤكدة أن ذلك يعد انتهاك لسيادة قبرص ولا يمكن أن يساعد في حل عادل للمشكلة.

وطالبت روسيا جميع الأطراف بضبط النفس والحكمة، والسعي لحل القضايا الخلافية من خلال الحوار واحترام مصالح الطرفين

مصر تتحرك

أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الخميس المنصرم قرارا بالموافقة على مشروع لمد أنبوب غاز في شرق المتوسط، المنطقة الواعدة بموارد الغاز الطبيعي، والتي أثارت التوترات في المنطقة مؤخرا.

وذكرت وسائل إعلام مصرية، أن الرئيس السيسي وافق على اتفاق حكومي بين مصر وقبرص وقع في سبتمبر الماضي، لمد خط أنابيب بحري مباشر للغاز الطبيعي، حيث نشر القرار في الجريدة الرسمية اليوم.

وتسعى مصر، بدعم روسي، أوروبي، اميركي، لأن تصبح مركزا إقليميا للطاقة، ووقعت هذا الاتفاق مع قبرص لاستيراد الغاز الطبيعي منها من حقل بحري بهدف تسييله في مصانعها المطلة على المتوسط وتصديره للأسواق الخارجية.

التحركات التركية المكثفة في شرق المتوسط، أثارت قلق الجانب المصري، إذ سبق أن وجهت القاهرة تحذيراً إلى أنقرة من اتخاذ إجراءات أحادية للتنقيب والحفر في مكان الطاقة في البحر المتوسط قبالة قبرص، في الوقت الذي أعلنت فيه تركيا أنها لا تعترف بقانونية الاتفاق الذي وقّعته مصر مع قبرص في 2013 للتنقيب عن الغاز في مياه شرق المتوسط، فيما أعلنت مصر أنه لا يمكن لأحد أن يشكك في قانونية هذا الاتفاق، الذي تم وضعه وفق قواعد القانون الدولي، وتم إيداعه

كيف قد تتطور الأزمة؟

فرص إندلاع أزمة شرقي المتوسط تتنامى كل يوم، مع سعي أنقرة إلى حصة أكبر من الغاز، خلافاً للاتفاقات الدولية، وتصل المخاوف إلى تعقيدات دولية، خصوصاً وأن مصر واليونان وإسرائيل تتجه لمنح امتيازات لشركات فرنسية وبريطانية وأمريكية للتنقيب عن الغاز ما يجعل تركيا في مواجهة دولية كبرى.

يرى مراقبون أن تركيا قد تذهب إلى التهديد العسكري في حال تطور ملف الغاز، وذكرت وكالة بلومبيرغ أن أنقرة تخطط لنشر أنظمة إس-٤٠٠ الصاروخية الدفاعية التي تنتظر تسليمها من روسيا على طول الساحل الجنوبي للبلاد، بالقرب من السفن الحربية التي تراقب عمليات استكشاف مصادر الطاقة قبالة سواحلها.

وأعرب مراقبون عن خشيتهم أن يدفع التحرك التركي الأحادي الى مواجهة مهما كانت تكاليفها، ولم يستبعد مراقبون أن تندلع بالفعل مواجهة عسكرية بخصوص النزاع تبدأ بين أنقرة ونيقوسيا ولا يعلم أحد كيف قد تتطور .

الإعلانات