سمير جعجع 14 عاماً على الحريّة: الإنجازات والإخفاقات!

دخل سمير فريد جعجع دون أدنى شك، منظومة الزعماء التاريخيين، للمسيحيين في لبنان، وتبدو سيرة حياته، وهو في النصف الثاني من ستينيان العمر، مزيجٌ من شجاعة يوسف بك كرم، وثورة طانيوس شاهين، وصلابة بيار الجميل مؤسس الكتائب، وتشبه بعض فصول تجربته الغنيّة باللحظات المفصلية والوجودية، قصص السنكسار، أو على الأقل هذا ما يراه محبوه ومناصروه !

يتمترس اليوم رئيس حزب القوات اللبنانية خلف كتلة نيابية هي الأكبر في تاريخها، ومجموعة من ٤ وزراء، وشعبية عالية نسبياً أفرزها قانون إنتخاب حدد الأحجام والأوزان بدقة ميزان بائع مجوهرات، لكنه عزز الجو الطائفي والمذهبي، وقاطعت نسبة كبيرة من المسيحيين، قاربت ال 70% إنتخابات 2018.

شكلت القوات رافعة شعبية وديناميكية لحركة 14 آذار بين عامي 2005 و 2009 وإحتفظت بخطابها السياسي ومبدئيتها، بوجه حزب الله وحلفاء النظام السوري، دهمه 8 أيار 2008 وسعى الى تجنيب قواته ومناطقه شظايا إقتحام بيروت “السنيّة” وبعض مناطق عاليه والجبل “الدرزية”، وربما بدّل ذلك من نظرته الى حزب الله وإلى فعالية العمل السياسي كخيار وحيد، وضرورة البقاء ضمن السلطة لمحاولة التأثير، والأهم لإنشاء منظومة حماية، خصوصاً أن شبح الإغتيالات يبقى حاضراً .

يسعى جعجع حالياً من خلال كتلتيه النيابية والوزارية وعلاقات “متفاوتة” الجودة مع الرئيس الحريري والرئيس بري والوزير وليد جنبلاط، للعب دور رئيسي داخل السلطتين التشريعية والتنفيذية، خصوصاً أنه ساهم في إنهاء الفراغ الرئاسي، بعدما كان أحد المتسابقين، وفضل خيار الجنرال عون على الوزير سليمان فرنجية، و البقاء ضمن السلطة التنفيذية، وتمييز نفسه في عناوين تتعلق بالفساد والهدر وبناء المؤسسات داخل الدولة.

14 آذار :

حاول جعجع تكبير حجم نفوذة وزارياً وترشيحات نيابية، لكنه واجه من جهة سعي الحريري وجنبلاط الى الحضور مسيحياً ومن جهة ثانية الأحزاب الحليفة والمستقلين، ولعل زعامة العماد ميشال عون، التي إكتسحت مسيحياً عامي 2005 و 2009 في ظاهرة حيّرت الكثيرين،كانت التحدي الأكبر، ونجح التيار الوطني الحرّ بزعامة عون ومعاونة عدد صغير من الموثوقين، على رأسهم الوزير جبران باسيل، في إقناع المسيحيين بتحالف الأقليات، وحماية سلاح حزب الله، بعدما كان عون نفسه أبرز معارضيه، ما أرسى توازناً وسداً بوجه تحالف قوى 14 آذار الذي بدأ بالتفكك عام 2009، وربما نتائج الانتخابات وفشل القوات والحلفاء في تحقيق شبه توازن مع التيار سرّع في عملية إنهيار التحالف السياسي بين الحريري وجنبلاط وجعجع.

طبعاً ساهمت موازين القوى الإقليمية في خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً نجاح النظام السوري مدعوماً بإيران وحزب الله وروسيا في الصمود، ما ضرب آمال جعجع في حدوث تحوّل إقليمي عميق، يساهم في تعزيز نفوذه داخلياً من خلال توسع نفوذ حلفائه في المنطقة.

قد يكون سمير جعجع السياسي الأكثر مبدئيةً في لبنان، ولكنه في الوقت عينه براغماتي ويغرق في التكتيك السياسي، ولفت منذ أعوام تنفيسه بعضاً من الاحتقان مع حزب الله، دون أن يغيّر في خطابه السياسي، بل تخفيف وتيرة إنتقاد سلاح الحزب.فهو يقرأ بدقة التوازنات، ولا يريد بأي شكلٍ من الأشكال تكرار تجربة الحصار وحلّ الحزب عام 1994، وإن كانت الظروف الداخلية والإقليمية ليست متطابقة.

تبدو استراتيجيته اليوم تمريرعهد العماد عون بأقل مقدار من الخسائر ناحيته وناحية القوات، مع السعي لتسجيل نقاط على الوزير جبران باسيل، الذي يعتبره منافسه الرئيسي على الساحة المسيحية، وتعمد القوات الى تحييد الرئيس عون وتركيز هجماتها على باسيل، الذي لا يبدو منزعجاً، بل ربما يستفيد من ذلك لشد عصب التيار حوله، خصوصاً أن هناك معارضين له داخل العائلة والحلقة الضيقة للرئيس عون.

الحريري:

يسعى جعجع لإبقاء علاقاته جيدة مع الرئيس الحريري، مستنداً من جهة على خطوة يملكها في الخليج وفي الرياض تحديداً، ومن جهة ثانية محتفظاً بهامش للمعارضة من داخل مجلس الوزراء، دون أن تصل تلك المعارضة لضرب العلاقة بالحريري، وتبدو تلك المعادلة مقعدة وليست بالسهولة التي يظنها البعض، خصوصاً أن علاقته بالحريري إعتباراً من عام 2014 بدأت تمرّ بالكثير من الخضّات، وبدأت التباينات العميقة تظهر في الخيارات المفصلية، كقانون الانتخاب، وهوية الرئيس..

جنبلاط:

يسعى جعجع أيضاً لتوثيق التحالف مع الوزير وليد جنبلاط، نظراً لتشابه نظرتهما للنظام السوري أولاً، لعدم تداخل مصالحهما داخلياً، ورغم زئبقية جنبلاط وغياب الكيمياء بين الزعيمين الذين تقاتلا مباشرة آبان حرب الجبل وبعدها، إلّا أن جعجع يُعطي أولوية للدور الدرزي المؤسس والطليعي في جبل لبنان، لاسيما جنوبي طريق الشام.وهو حاول في الفترة الفاصلة بين إتفاق الطائف 1989 وحل القوات 1994 توثيق العلاقة بالمختارة، وأرسل زوجته ستريدا لتمثله ، لكن الظروف لم تكن ناضجة بعد على ما يبدو.

بري:

تتسم علاقة جعجع بالرئيس بري بالاحترام المتبادل، لكنها لم تتخطى ذلك لمجموعة إعتبارات، بعضها نظرة قواتية أن الثنائية الشيعية عصيّة على الإختراق، قابلها حذر من قبل الرئيس بري في توثيق تلك العلاقة.وتبقى محصورة ضمن العمل النيابي والتنسيق الوزاري في بعض الملفات، خصوصاً أن النظرة متباعدة جداً في الملفات الإقليمية، أو هكذا تبدو أقله.

)جعجع-عون سنفرد لها تحليل خاص(

أنا موجود إذن أنا مؤثّر:

ترتكز إستراتيجية جعجع منذ خروجه من المعتقل قبل 14 عاماً على مبدأ: أنا موجود إذن أنا مؤثر، ويسعى الى زيادة مدى حضوره داخل الدولة، لزيادة حجم تأثيره، وإن كان نجح في خلق منظومة إعلامية تسوق لافكار القوات وخطواتها وخطابها، إلّا أنه دخل في مجموعة تناحرات داخلية، سببها الأول إعتقاله 11 عام ونيّف، قد تكون قضية LBC أبرزها، استنزفت بعضها من قواه وشتت بعضاً من تركيزه، وأفاد منها خصومه الظاهرين وربما غير الظاهرين.

ولكنه في المقابل أعاد تنظيم حزبه وفرض نفسه لاعباً أساسياً داخل الساحة اللبنانية خصوصاً واللبنانية عموماً، رغم أن تأثيرات خططه وقراراته لا تبدو جلية في أحيان كثيرة، يتمسك بإتفاق الطائف ويرفض المسّ بالدستور ويدعو لبناء دولة المؤسسات كشعارات ثابتة.

يأخذ عليه البعض ميله لإدارة الحزب بطريقة one man show فهو لا يثق إلّا بقلة من داخل فريق عمله، ويوزع الأدوار بدقة وحزم، ويسعى الى توزير غير قواتيين في غالب الأحيان، المدافعون عنه يقولون بسبب كفاءتهم، ومعارضوه يضعون ذلك في إطار سياسة اليد الحديدية، هي نفسها التي مارسها المؤسس بيار الجميل على حزب الكتائب ، منذ تاسيسه كحركة شبابية عام 1936 حتى رحيله عام 1984.

بين المكاسب الآنية والتموضع بحسب تبدل الموازين وبين المبدئية والثبات سمير جعجع إختار المدرسة الثانية، مدرسة ستدخله التاريخ من بابه الواسع لكنها قد لا تدخله قصر بعبدا أو تعطيه حجماً سياسياً مرجحاً، أقله إذا لم تتغيّر موازين القوى إقليمياً بشكل عميق .

الإعلانات