تسقط الحكومة أم يُلوى ذراع جنبلاط وحيداً أم يهتزّ لبنان في قلبه!؟

التمسك بالتسوية يبدو شعار الأفرقاء الأساسيين في لبنان، ولكن بين الشعار والممارسة مساحات وفراغات وأزمات داهمة وأخرى مستجدة تطرح الكثير من علامات الإستفهام حول مستقبل الحكومة وبالتالي توازنات التسوية الرئاسية المحكومة بعوامل موازين القوى، داخلياً وخارجياً.

رئيس الوزراء سعد الحريري ورئيس مجلس النواب نبيه بري، يبدوان الأكثر تمسكاً بالحكومة الحالية، ويسعيان كلّ من جهته لفكفكة ألغام “موقعة البساتين” من خلال إبتداع خارطة طريق، ترسم مساراً قضائياً، تُرضي أفرقاء الإشتباك ولو بالحدّ الأدنى.

يُحيّر موقف حزب الله المتصلب في مسألة الإحالة الى المجلس العدلي، المراقبين، ويبدو أن هناك تباعداً في قراءة خلفياته وأبعاده، بين الرئيس الحريري من جهة، وبين المعني المباشر الوزير وليد جنبلاط وحليفه في القراءة رئيس حزب القوات سمير جعجع، ففي حين يحاول الحريري استبعاد العوامل الإقليمية وإعطاء الأولوية لإعادة الحياة الى مجلس الوزراء، للبناء على إنجاز الموازنة، أملاً باستقطاب رساميل من سيدر لكسر الجمود الاقتصادي القاتل، يسعى جنبلاط لإختبار النوايا المبيتة من خلال محاولة الحصول على ضمانات من الحزب، قد تكون سقوفها الدليل القاطع لتأكيد نظريته المبنية على “الإستهداف الوجودي” لزعامته ونفوذه، وذلك لمجموعة إعتبارات داخلية وإقليمية .

وهنا لابد من الإجابة على مجموعة تساؤلات لإستشراف ملامح المرحلة المقبلة، وأولها:

– الى أي مدى سيحافظ رئيس الحزب الديمقراطي الأمير طلال إرسلان على تصلبه، بغطاء مزدوج من حليفيه حزب الله والتيار الوطني الحر؟

– هل بات “إخضاع جنبلاط” أولوية ملحّة حتى لو هدد ذلك الحكومة والتسوية برمتها؟وهل ما نشهده 7 أيار جديد بالإمكان حسمه بالضغوط المتدرجة؟

– جنبلاط المستند على زعامة تاريخية وأعلى نسب إنتخابية لحزب في بيئته، وإستقطاب قلّ نظيره داخل طائفته وشبكة علاقات إقليمية ودولية، وحدّ أدنى من تحالفات داخلية، ما هو سقف التنازلات الأدنى للتسوية التي ترضيه، وما هي المخاطر الأعلى لاستمرار الإحتقان والتأهب لأسابيع ؟

– هل يستند حزب الله والتيار الوطني على غالبية نيابية تسمح لهما بإنتاج حكومة أكثر طاعة، تسمح للعهد بالإنطلاق بسلاسة في نصفه الثاني؟

– والأهم ما هي الحدود والمهلة الزمنية والتكلفة المرسومة “للحسم” في هذا الكباش، الذي قد يؤدي في حال تم ليّ زراع جنبلاط إلى إحداث متغيّر عميق في توازنات لبنان الداخلية وأول إختراق فعلي في الجبل وداخل طائفة الموحدين منذ عقود، ويسمح لتحالف الحزب والتيار لممارسة المزيد من النفوذ على الرئيس الحريري في حال بقائه في رئاسة الحكومة وعزل جعجع وباقي المعارضين.

قد تكون لدى حزب الله خشية من أن يؤدي هذا المسار الى إستنهاض تحالف 14 آذار بين الحريري، جنبلاط وجعجع، ولكن الواقعية السياسية تُعطي حظوظاً ضئيلة لهذا الخيار، فمن جهة حجم التباعد في وجهات النظر وتداخل المصالح، وبعضها متناقض، يبدو كبيراً بين الحريري جنبلاط من جهة وبين الحريري جعجع من جهة ثانية، والأهم غياب الراعي الإقليمي-الدولي لهذا التحالف مع غياب استراتيجية أميركية واضحة ترعى مصالحها في لبنان وتبدل أولويات الرياض وتركيزها على العراق واليمن، والإنغماس السعودي-الإماراتي في إخراج تركيا-قطر من شمال أفريقيا، فمعركة طرابلس الغرب تبدو وشيكة الحسم، وطارت القواعد العسكرية التركية في السودان بعد الإطاحة بحكم البشير في السودان، وتجري محاولات حثيثة لتركيز سلطة في الجزائر ما بعد بوتفليقة يكون للجيش النفوذ الأوسع فيها، وكل ذلك يجري بمتابعة ورضا من موسكو وواشنطن على حد سواء.

من هنا يبدو حتى تلويح الحريري، دعماً لجنبلاط، بالاستقالة مستبعداً، وحسابات جعجع الرئاسية وتثبيت موقعه في المعادلة وزارياًً تضع سقوفاً للدعم الذي قد يمنحه لجنبلاط في أزمته الحالية، حتى الغطاء الذي يؤمنه الرئيس برّي لزعيم المختارة يبدو غير كافٍ لطمأنته، خصوصاً وأن حزب الله يجيد استراتيجية القضم والتلطي خلف طموح لامحدود لحلفائه من الدروز والمسيحيين، وحتى السنّة، وهنا قد تُفتح شهية عدد لابأس به من الطامحين لدخول السراي الحكومي من باب أي تسوية جديدة قد تفرزها أزمة مستفحلة وطاحنة.

الرهان يبقى على الوقت كعامل استراتيجي، وعامل ضاغط على الحريري وحكومته أولاً، وإنتظار التنازل الذي قد يعتبره جنبلاط يجنبه الخسائر الأكبر، إنتظاراً لمتغيّر ما، قد يأتي وقد لا يأتي قريباً!

الإعلانات