“أُمّ المعارك” يخوضها وليد كمال جنبلاط في عيده ال 70 !

7 آب 2019, يحتفل الوزير وليد جنبلاط والعائلة والمناصرون بعيد ميلاده ال 70, سبعة عقود غنيّة بتجاربها وصخبها ومحطاتها، تقلَّب في خلالها البيك مع تقلّب التوازنات الإقليمية والدولية، والمصالح المواكبة لها.

ولِد “الزعيم وليد” إثر إغتيال والده في 16 آذار 1977, وترك وهو في في ال 28 من عمره الكثير من الأفكار والهوايات والأحلام الشخصية وتفرّغ للملمة زعامة وجماعة إنزلقت في آتون حرب إقليمية -دولية -محليّة الطابع والضحايا.

رتّب العلاقة سريعاً مع اليد الحديدية لنظام الرئيس حافظ الأسد، المتهم الأول بإغتيال والده، واضعاً مصلحة الطائفة والزعامة أولاً، وسريعاً أمسك بمفاصل ما تبقى من “الحركة الوطنية” وسط تناغم مع ابو عمار الذي حجمته يد الأسد الحديدية وأتت ماكينة بيغين-شارون الحربية لتخرجه من بيروت، ومن ثم من المعادلة اللبنانية بعدما طرده السوريون من طرابلس عام 1983.

إلتفاف جماعته حوله، وشخصيته البراغماتية بإمتياز، أخرجتاه المنتصر الأكبر في معارك 1983، ولكن الإنتصار كان بطعم المرارة نظراً لفداحة الخسائر من المدنيين المسيحيين ومسح قرى بأكملها من الخريطة، وهذا أحد الدفرسوارات التي يحاول خصومه استثمارها للنيل منه.

زئبقيته ونباهته وعمق إطّلاعاته وإضطلاعه، وتواجد جدي للدروز في مؤسسات الدولة السورية ساهموا في نسج علاقات جيدة مع حاكم الشام، ونجح في تخصيص مساحة مريحة لزعامته وجماعته ومصالحه طيلة فترة حكم الرئيس حافظ الأسد.

التغيير في رأس السلطة السورية عام ٢٠٠٠ سرعان ما طال أصدقاء جنبلاط داخلها، وبدأت عملية تحجيمه في لبنان، في موازاة تحجيم رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، فبادر الى مصالحة الجبل مع البطريرك الراحل صفير، وبدأ تحالف سني-ماروني-درزي يتشكل مناهض لاستمرار الوصاية السورية، وتغيّرت الرياح الدولية وخرج القرار 1559 من مجلس الأمن، وأتى إغتيال الحريري ليشحن غالبية اللبنانيين ضد النظام السوري وأدواته داخل لبنان، فتحقق الاستقلال الثاني وكان جنبلاط ابرز أعمدته.

مبادرة جنبلاط الى إتهام النظام السوري بإغتيال الحريري، أتت بعد مشاورة البطريرك صفير، الذي إقتنع من منطق جنبلاط القائل: وحده هكذا إتهام قد يجنب بيروت ولبنان صداماً سنياً-شيعياً.

وجد جنبلاط صيغة تعايشية مع حزب الله، وكان يحرص على ترك خط تواصل في عزّ الإختلاف السياسي، فهو من هندس الحلف الرباعي مع الرئيس بري عام 2005, وسارع الى وأد الفتنة في ايار 2008، وكان خطابه مغايراً لاشتعال جبهات شيعية-درزية، وعاد من الدوحة بقرار واضح: تسوية العلاقة مع حزب الله، ولو بالحد الأدنى.

لولا غطاء جنبلاط لما تشكلت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وحاول معه ومع الرئيس ميشال سليمان والرئيس نبيه بري تجنيب لبنان نار سوريا، ولكن شخصيته “الخاصة” أطلقت الكثير من التصاريح النارية المتضامنة مع “الثورة السورية”. دهمه إجتياح داعش للموصل ومن ثم لمناطق عراقية وسورية واسعة ولم يكن ضمن حساباته، وغرق فصائل المناهضين للأسد في اجندات إقليمية، بعضها متناقض، قضى على حلمه بالثأر “لوالده-الشهيد”وكسر يد الأسد الإبن الحديدية بعد ثلاثة عقود ونصف.

جردة حساب على التطورات المتسارعة في قلب مناطقه وعلى أسوار زعامته، تجعله في عيده ال70 أكثر إصراراً على المنازلة، والعارفين عن قرب لزعيم المختارة يقرأون أهدافه القصيرة والمتوسطة والطويلة الأمد، فهو حاول إبتلاع مجموعة عمليات قضم استهدفت مصالحه وزعامته، ولكنه إختار التوقيت الأنسب ليُطلق النفير العام،

وهو مدرك تماماً:

– أن الرئيس ميشال عون وتياره مصرّان على المشاركة في القرار السياسي للجبل.

-أن الأمير طلال إرسلان يسعى ما استطاع، مدعوماً من التوازنات الداخلية والإقليمية لإعادة الثنائية اليزبكية-الجنبلاطية.

-أن تحالف الحريري-باسيل همش دوره ومصالحه

-أن هناك نيّة من حزب الله ونظام الأسد لتحجيمه وتطويعه في لحظة إقليمية بالغة التعقيد .

لذلك قرر التصعيد على قاعدة “أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم” ، فنجح حتى الآن في:

-فرض الموقف السياسي الواضح على الرئيس الحريري الذي كان يُفَضِّل التركيز على الملفات المالية والاقتصادية دون اي أزمات سياسية حادة

-ضخ بعض نبض الحياة في تحالف 14 آذار بعدما لاقاه رئيس حزب القوات سمير جعجع في القراءة والخلفيات والتداعيات.

-رفع السقف عالياً والتمهيد لتسوية تحفظ زعامته ومصالح طائفته من جهة وتمنح مساحة مريحة لتوريث تيمور، ولكن هناك محاذير، لأن هذا الكباش يبدو بسقوف عالية جداً وفِي لحظة إقليمية شديدة الغموض والتوجس!

شكلّت ال 60 عاماً محطة هامة في حياة زعيم المختارة، وليست مجرد مصادفه أعلان خروجه من تحالف 14 آذار قبل أيام معدودة من 7 آب 2009 ، موعد دخوله عتبة ال 60 عاماً، فوالده كمال فؤاد جنبلاط أُغتيل وهو في ال 60 من عمره، وحليفه وصديقه رفيق الحريري أيضاً تم إغتياله في ال 60 من عمره!

وها هو يعود اليوم من “وسطيته” رأس حربة بوجه العهد، بعد عقدٍ من الزمن، عقد حفل بالمتغيرات في الإقليم المشتعل، خصوصاً في الصراع على “إمارة الشام” وتداعياتها على بلاد الأرز:

فالتغيير الذي نادى به لم يحدث في سوريا، بل فازت يد الاسد الحديدية بدعم فولاذي من روسيا وتدخل نوعي من حزب الله، الذي بسط نفوذه على مجلسي النواب والوزراء اللبنانيين للمرة الأولى، وفي بعبدا رئيس مسيحي “قوي” خاض منذ العام 1983 على رأس اللواء الثامن معارك ضارية في سوق الغرب ضد مقاتلي الحزب الاشتراكي، وعاد الى لبنان من منفاه عام 2005 وهو على خصومة مع المختارة، وما زال، وحلفه المُفترض مع الرئيس سعد الحريري، يتعرض دورياً لمطبات قاسية.

“أُمّ المعارك” سيخوضها جنبلاط، في بداية سبعينيات العمر، حتى النهاية ..

وقد بدأت ثمارها بملامح تحالف مناهض للعهد تتشكل وهو في منتصفه، ويبدو أن هدفه الصمود ومن ثم الصمود حتى يقتنع حزب الله، عاجلاً أم آجلاً، بضرورة إبرام تسوية معه، تحفظ لزعامته مساحةً وخصوصية، إعتاد على خلقها بني معروف منذ قرون طويلة، ولكن هاجسه الأهم التضاؤل المستمر في ديمغرافيتهم، والذي ينسحب بالضرورة على تأثيرهم وفعاليتهم، وهو يتحصن خلف أعلى نسبة نالها زعيم داخل مذهبه في الانتخابات الأخيرة، وشبكة علاقات داخلية، إقليمية ودولية، تُصَعِّبُ حصاره، فعزله، أو هكذا يعتبر.

فهل يبلغ الإشتباك الحالي مداه قريباً وتحت ضغوط إنهيار الحكومة وتداعيات ذلك على التسوية الرئاسية والأوضاع المالية والاقتصادية المتأزمة، تسلك التسويات؟

أم أن الأمور وصلت إلى نقطة اللاعودة، والقرار بتحجيم جنبلاط نهائي – مبرم كأحكام المجلس العدلي ومن هنا الإصرار على توليه “موقعة البساتين”؟

“أُمّ المعارك” الجنبلاطية بالغة التعقيد، وموازين القوى متداخلة فيها، وتعدد الخصوم يجعلها “وجودية” من منظاره أقلّه، وقدرته الفائقة على إقتناص التسويات تجعل من شبه المستحيل إستشراف فصولها، وإنعكاساتها والمتغيّرات العميقة التي قد تحدثها، وعلى مختلف المستويات!

الإعلانات