لبنان الصاخب والمتغيّرات العميقة : رزمة أزمات وجودية وآفاق مفتوحة!

تكاد تُكمل ثورة القسم الأكبر من اللبنانين شهرها الأول، ونجحت حركة الاحتجاجات السلمية في إختراق طبقات متعددة من مفاصل المجتمعات اللبنانية، أفقياً وعامودياً، يجمعها شعارات مطلبية حيوية والمطالبة بالمحاسبة ولجم الفاسدين، وسط أعتى أزمة مالية وإقتصادية، يشهدها تاريخ لبنان المعاصر، وأزمة حكم بعد إنهيار شبه تام للتسوية الرئاسية التي رسمت الخطوط العريضة لتقاسم السلطة بين أحزاب وتيارات، إحتكرت حتى الأمس القريب، المشهد العام لثلاثة عقود خلت، ونجحت بتثبيت مواقعها ضمن توازنات متحركة أفرزتها الصناديق في الأعوام 2005 و2009 و2018، الى أن تفجرت موجة تظاهرات واحتجاجات عارمة في 17 تشرين الأول 2019: عنوانها الوحيد -كفى!

ما يجب متابعته:

@ شكّل إرتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية، وبداية تقييد ودائع الطبقة الوسطى المصرفية، بداية تشرين الأول أكتوبر، الدافع الأساسي للثورة، ويطغى اليوم همّ تعثر المصارف في تأمين السيولة الكافية على ما عداه، ويزيد من ذعر المودعين وتهافتهم على سحب أو تحويل ودائعهم الى خارج لبنان، فهل من عوامل أو إجراءات ممكنة قادرة على فرملة هذا المسار الإنحداري، الذي بات يُهدد بإنهيار مالي، نقدي وإقتصادي شامل!؟

@ تجزم دوائر متابعة ل Thinker4Me أن الوقت بات ضيق جداً، ولا مفرّ من تشكيل حكومة، في الأيام القليلة المقبلة، تُرضي الشارع بالحد الأدنى، وتشكل إطاراً لسلسلة خطوات إنقاذية، هدفها إدارة الأزمات المالية الحادة، وتُجنِّب البلاد سيناريو الإنحدار الأُفقي للمصارف، عماد الإقتصاد، وهنا يعوّل كثيراً على مبادرة فرنسية، منسقة بالحد الأدنى، مع الخليج، وواشنطن ولندن، تبدأ بزيارة لموفد رفيع في غضون يوم أو يومين، تتضمن افكاراً وإقتراحات، جزء منها جرعة إلتزام مالي، والجزء الآخر يتعلق بتوازنات الحكومة العتيدة، رئيسها، شكلها، ومهمتها، مع إنسداد أفق الافرقاء الداخليين في إستيلاد المخارج.

@ شكل سعي الأفرقاء الداخليين، لإستثمار موجة الإحتجاجات، لتصفية حسابات فيما بينهم، تحت شعار مكافحة الفساد، دون محاولة تنظيم الإنهيار، أو إدارة الأزمات المتداخلة، عنصراً ضاغطاً على الوضع المأزوم ككل، وهنا سُجلت مجموعة كباشات، ومحاولات لسحب البساط، حتى بين من كانوا حلفاء، وفيما يؤكد حاكم المصرف المركزي مد المصارف والأسواق بالحد الأدنى الكافي من السيولة بالدولار، تقف المصارف شبه عاجزة عن تلبية حاجات الأسواق والمودعين، فهل تزايدت عمليات تحويل الأموال الى الخارج، وتحت أي غطاء!؟ خصوصاً بعد تسريب رفض مرجعيات عليا طلب المصارف، تشريعات تحمي قيودها التي فرضتها بالفعل من أي مساءلة أو دعاوى قضائية، وكأن سلاح الدولار هو الأكثر فاعلية في هذا الكباش المتعدد الأطراف والأهداف !

@ يبدو هنا موقف حزب الله مفصلي، وبالتالي سيشكل المدخل لمسار الثورة والأزمات، فمن جهة يتوجس الحزب من محاولة استثمار أفرقاء داخليين مدعومين من الخارج حراجة الظروف لفرض توازنات حكومية جديدة عليه، ومن جهة أخرى يسعى لمنع الانهيار والفوضى، التي بدورها تشكل مخاطر جمّة على الوضع ككل بكافة أفرقائه، وهل تُشكل إدانة أفرقاء داخليين التصاريح الاميركية الأخيرة تطميناً نسبياً للحزب، يبني عليه، أم أن تزامن صخب العراق ولبنان، سيعزز فرضية الإستهداف الاقليمي الشامل لنفوذ إيران!؟ وكيف سيكون الرد المنتظر !؟

@ وضعت الثورة أفرقاء وزعامات، كانت تشعر أنها خارج المحاسبة او حتى المساءلة، في موقف دفاعي، وشكل استمرارها وتمددها لأربعة أسابيع، حال قلق متفاقمة، تجعل من وضع سقف للخسائر، أمراً صعباً للغاية، فالغضب الشعبي من جهة، وحراجة الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية من جهة ثانية، تضع المسؤولين أمام كرة ثلج متنامية باستمرار، لم تنفع معها الاستدعاءات الشكلية ولا التصاريح العمومية، فالشعب تنين ثائر يحتاج لإلتهام أضحية فداء، ونسبة الوعي الجماعي عند الأجيال الثائرة عالية ، ولا تنطلي عليها أساليب تقليدية، حاولت أطراف السلطة اتباعها مؤخراً.

@ في إطار فكفكة التعقيدات، وتسهيل المخارج، بدأت دوائر معنية، بطرح فكرة توزير مجموعة من الخبراء والاختصاصيين، سبق وأجتمعوا لأشهر العام المنصرم، بمبادرة من المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ممثلين غالبية أحزاب السلطة والمعارضة حينها، وخرجوا بورقة عمل إنقاذية، مثلت الوزيرة ريا الحسن تيار المستقبل في تلك المبادرة، فهل تشكل هذه المجموعة نواة الحكومة العتيدة؟ ويتم تطعيمها بشخصيات مستقلة مشهود لها بالكفاءة ونظافة الكف، قد تُشكل ضمانة أو أرضية لإدارة الأزمات، وإنشاء آلية وإطار لمحاسبة كل من تحوم حوله شبهة فساد، وتُهديء قليلاً من صخب الشارع الثائر، بعيداً عن محاولات تمثيل الحراك او الثورة، وهنا لفتت مصادر متابعة، أن كل من يحاول إدعاء تمثيل هذا الشارع الواسع، سيحرق نفسه، وستلتهمه غضبة شعارات ومطالب الشارع المرتفعة جداً!

خاتمة:

يكاد يُجمع المراقبون أن ما يشهده لبنان اليوم هو متغيرات بنيوية عميقة، وكأنه يُنهي فصلاً كاملاً من تاريخه ليبدأ فصول جديدة، ومسار التغيير بدأ ولكنه بحاجة الى وقت لتظهير مفاعيله، فيما الأزمات المتدكسة تكاد نافذة الوقت تُغلق أمامها قبيل تفجرها تباعاً، او دفعة واحدة، فهل نحن أمام الأسبوع المفصلي للبناء على تجربة غير مسبوقة في تاريخ لبنان!؟ أم أن عملية التناحر على السلطة بين أفرقائها ستبقى هي الطاغية، ويقفز لبنان شعباً وأحزاباً وسلطة ولاجئين الى المجهول !؟