لبنان المأزوم في الذكرى ال 76 لإستقلاله عالق بين “نصف سلطة” و”نصف ثورة” !

ثلاثة أسابيع ونيّف مضت على إستقالة الحكومة دون تعيين موعد للاستشارات النيابية المُلزمة من قبل رئيس الجمهورية، كما ينص الدستور، وهي سابقة منذ إتفاق الطائف، الذي رسم ملامح توازنات جديدة داخل السلطة، بين الطوائف والمذاهب، في ختام حرب أهلية أليمة، أعادت توزيع السلطة والثروة جذرياً، قبل ثلاثة عقود، فهل دخل لبنان زمن المتغيّرات العميقة، وسط الزالزل المتلاحقة في الإقليم، مع تعثر قطاعه المصرفي الحيوي، وركود غير مسبوق في غالبية قطاعاته الإقتصادية؟ والى أي مدى قد تستمر “أزمة الحكم” المتمثلة بالعجز عن تشكيل سلطة تنفيذية، وتداعياتها شبه المدمرة على عملة وطنية فقدت نحو 30% من قيمتها مقابل الدولار حتى اللحظة، وشعب يستورد كافة المواد الأساسية من طحين ومحروقات وأدوية؟

ما يجب متابعته:

@ كشفت دوائر معنية ل thinkers4me أن فرنسا تسعى لتسوية، تتضمن تشكيل حكومة تُطمئن حزب الله بالحد الأدنى، ولا تستفز الشارع الغاضب، وتأخذ فترة سماح من اي عقوبات أميركية مدعومة خليجيًا، وتشكل منطلقاً لإقرار إصلاحات عاجلة، تواكبها معونات مالية طارئة، تؤخر الإنهيار المالي والاقتصادي الشامل، وتسعى لإستعادة الثقة، ولو جزئياً بال system المتمثل بالمصارف أولاً. لهذه الغاية تدور مفاوضات مباشرة بين الفرنسيين وحزب الله، الذي وضع خط أحمر أمام :

– استبعاده عن أي حكومة

– إنهيار مالي وإقتصادي شامل قد يكون المدخل الى الفوضى

– صدام بين شارعين، واحد موالٍ ل “الثورة” وآخر مناهض لها

@ مدة ومدى القيود المصرفية، وخلفياتها الفعلية ، بمعنى آخر الى أي مدى تعكس جفاف السيولة بالعملات الصعبة المتوافرة في مصرف لبنان؟ أم أن هناك من يستخدمها كسلاح فعال في الكباش المعقد على السلطة داخلياً وخارجياً.

@ أظهرت بيانات لمؤسسات أميركية متخصصة، أن زلزال العقوبات التي تم فرضها على جمال تراست بنك، نهاية آب أغسطس المنصرم، أدت الى خروج نحو 10 مليارات دولار من المصارف اللبنانية في 10 أسابيع، قسم منها تم تحويلها الى الخارج، أيّ قبرص وأوروبا بالدرجة الأولى، وهي عائدة الى مصرفيين وسياسيين ورجال أعمال مقربون، والقسم الآخر تم تسييلها، ومن الصعب تحديد الكمية التي إستفاد منها النظام السوري، أو حتى إيران، الخاضعان لعقوبات أميركية خانقة أدت الى هبوط عملتهما الوطنية في شكل كبير في الأسابيع والأشهر المنصرمة!

@ أسباب وتداعيات والمدى الزمني لتمسك الثنائي الشيعي ب”إلزام” الرئيس سعد الحريري بترؤس أو بتسمية ودعم رئيس الحكومة العتيدة، وهنا لم تتضح بعد طبيعة الكباش الحاصل داخل الإئتلاف الحاكم كاملةً، وطبيعة العلاقة بين الثنائي الشيعي-رئاسة الجمهورية والتيار برئاسة الوزير جبران باسيل وبين رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري ، خصوصاً وأن مسألة التكنوقراط والتكنوسياسية، تبدو مجرد غطاء، لتفاهمات تزعزعت بفعل زلازل متلاحقة، شعبية، مالية، نقدية، وقضائية..وهنا يلفت مواقف لنواب في كتلة المستقبل تتحدث عن حكومة مؤقتة وإنتخابات مُبكرة!

@ طبيعة العلاقة بين قائد الجيش اللبناني من جهة، والسلطة السياسية من جهة ثانية، خصوصاً مع النقد الذي ظهر مؤخراً على لسان النائب علي عمار ومقربين من الرئيس بري، والى متى ستدوم معادلة : حماية المتظاهرين وحماية حق التنقل، في أزمة مرشحة للتفاعل على الأرض في أي لحظة. وهنا لا بد من التذكير بأن مؤسسة الجيش قد تتحول الى ملاذ أخير مؤقت في حال تعثرت السلطة السياسية في إدارة أزماتها الداخلية والأزمات الحياتية والمعيشية التي لامست الخط الأحمر

@ ارتفاع منسوب “ضبط الثورة” من قبل الثنائي الشيعي، خصوصاً بعد الحملات التي تعرض لها صحافيون، والتظاهرات -الإنذار أمام قناة الجديد، وقرار حجبها من قبل موزعي الكابلات في مناطق واسعة خاضعة لنفوذ هذا الثنائي، إضافة الى موجة شائعات وتسريبات هائلة، وهنا ربطت دوائر معنية تصاعد تلك الإجراءات بمجموعة تطورات، قد تبدأ بالدخول الاميركي المتكرر على خط استثمار الثورة من جهة ولا تنتهي بمحاولة تجييرها داخلياً على المستويين الوزاري والقضائي.

@ إقدام الثورة، التي ثبتت قدرتها التعطيلية، بشكل متكرر، وآخرها تمثل بمنع إنعقاد جلسة مجلس النواب التشريعية قبل ايام، على المبادرة وإقتراح حلول قصيرة ومتوسطة الأمد، بحيث تستثمر قدرتها على التعطيل بمبادرة او مجموعة مبادرات، تُهديء جزئياً من إرتفاع منسوب القلق الذي بدأ يلامس الهلع، عند شرائح معينة، وتساهم في تخفيف آلام ومخاطر المرحلة الإنتقالية الشديدة الحساسية التي تمر بها بلاد الأرز .

خاتمة:

لبنان عالق بين نصف سلطة، تحاول أحزابها، إدارة ازماتها الداخلية، وأزمة العلاقة بين مكوناتها، لمحاولة تثبيت توازنات ما قبل 17 تشرين الأول، أو تقديم تنازلات شكلية، وبين نصف ثورة نجحت في 37 يوماً في الاستحواذ على غالبية الرأي العام الداخلي والخارجي، وزرعت بصيص أمل، ولو ضئيل، في إمكانية قيامة جديدة ل لبنان، دونها مجموعة تحديات وعقبات، وأزمات غير مسبوقة، ولعل النار التي تم إضرامها بمجسم الثورة وسط بيروت، مؤشر على حماوة اللحظة، فهل يُخرج هذا المخاض تسويةً تدار في خلالها الأزمات والمتغيّرات العميقة؟ أم أن تداخل عناصر الاشتباك، وتشعبها، داخلياً، وإقليميا-دولياً يفرض المزيد من الوقت والحماوة!؟